صالح الورداني
91
السيف والسياسة
تصور أن موقف أبو ذر من عثمان ومعاوية كان بسبب الترف وكنز الأموال وهضم حقوق الفقراء والمحتاجين . فلم يكن هذا السبب إلا ظاهر الموقف . أما باطنه فيكمن في بطلان الخط الأموي وعدم شرعيته . إن الصدام بين أبي ذر وعثمان لم يكن وليد عصره وإنما كانت له جذوره من عصر أبي بكر وعمر حين بدأت عملية الانحراف عن خط الرسول صلى الله عليه وسلم . فإن أبا ذر الذي كان يصدع بالحق في مواجهة مشركي مكة ويلاقي ما يلاقي . لم يكن ليتوقف عن الصدع بالحق في عهد أبي بكر وعهد عمر وقد روى فيه الرسول ما روى . ( 3 ) . ومن هنا يتبين لنا أن الصدام بين أبي ذر وعثمان كان صداما عقائديا . بين عقيدة ملتزمة وعقيدة مخالفة . . بين صحابي موال لآل البيت ورمز بني أمية . . بين خط آل البيت وخط بني أمية . . وعلى هذا الأساس كان حكم عثمان على أبي ذر قاسيا فهو حكم على قدر الموقف الذي اتخذه أبو ذر . ألا وهو الحكم بالنفي . . وربما يكون عثمان هو أول من طبق سنة نفي القادة والمصلحين في تاريخ الحكام الطغاة الذين هيمنوا على بلاد المسلمين . وموقف عثمان من عمار هو نفس موقفه من أبي ذر . فكلا من أبي ذر وعمار من أتباع الإمام وموقفهما من الخط الأموي واحد وثابت . فمن ثم فقد تصدى عثمان لعمار كما تصدى لأبي ذر وقرر نفيه ليحل محل أبو ذر الذي كان قد توفي لولا تدخل الإمام الذي نهر عثمان قائلا : إتق الله . فإنك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك . ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ( 4 ) . وكانت النتيجة أن هدد عثمان الإمام علي بالنفي قائلا له : أنت أحق بالنفي منه . وكان رد الإمام : إفعل إن شئت ذلك ( 5 ) .
--> ( 3 ) قال الرسول صلى الله عليه وسلم في قبيلة أبي ذر : غفار غفر الله لها . أنظر سيرته في كتب التراجم . . ( 4 ) أنظر البداية والنهاية لابن كثر ج 7 / 173 وما بعدها وانظر الطبري وابن عساكر ومروج الذهب . ( 5 ) أنظر المراجع السابقة وطبقات ابن سعد والكامل لابن الأثير .